ابن عربي
304
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 210 ] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 210 ) ذكر تعالى اعتقادهم وما جرح ولا صوّب ، ولا أنكر ولا عرّف ، وفيه نسبة المكان إلى الحق ، ومثل هذا في الشرع كثير ، والظلل أبواب السماء إذا فتحت وهو قوله تعالى : ( وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً ) وقوله : ( يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا ) وهو إتيان الملائكة في ظلل من الغمام . واعلم أنه من المتشابه الآيات التي يذكر فيها الصورة ، فمما صح في ذلك ما رواه البخاري وغيره ، من حديث الرؤية عن أبي هريرة رضي اللّه عنه وفيه ( فيأتيهم ربهم في غير الصورة التي يعرفونها ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : نعوذ باللّه منك ، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، فإذا أتى ربنا عرفناه ، فيأتيهم في الصورة التي يعرفونها فيقول : أنا ربكم ، فيقولون نعم أنت ربنا ، فيتبعونه ) وقد ثبت ذكر
--> في العمل بشرائع الإسلام المنزلة على نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم بأجمعكم ، واتركوا ما أنزلته من الشرائع قبله ، فلكل منكم شرعة ومنهاج « وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ » أي لا تسلكوا طريقه ، ولا تصغوا إلى ما يوسوس به في صدوركم ، ليضلكم عن طريق الهدى الذي أنزلته في هذا الأوان على هذا النبي المخصوص ، وإن كان كل كتاب أنزلته حقا وهدى ونورا ، ولكن تعبدت به عبادي في زمن مخصوص ، وقد انقضت تلك المدة لما سبق في علمي ، فأراد الشيطان أن يضلكم بما وسوس به في صدوركم من اتباع ما نزل من عندنا ، كيدا ومكرا ، وقد عرفتكم « إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ » أي ظاهر العداوة ، لا تخفى على مؤمن عارف بطريق ما يخرجكم عن الهدى ( 210 ) « فَإِنْ زَلَلْتُمْ » يقول : فإن انتزعكم فنزعتم عن طريق الهدى الذي هو القرآن « مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ » الدلائل الواضحة من عندنا ، وهي التعريفات بعداوة الشيطان لكم المذكورة في كل كتاب ، وكفرتم أو خالفتم بعض ما أنزل إليكم في هذا القرآن وما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلم « فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ » غالب لا يغالب ، لا يفوته هارب « حَكِيمٌ » بإنزال العقوبات لمن يستحقها ، إذ الحكيم واضع كل شيء في موضعه ، سمع أعرابي قارئا يقرأ هذه الآية : فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن اللّه غفور رحيم ، فأنكر أن يكون هذا كلام اللّه ، وقال : الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه ، فمثل هؤلاء عرفوا إعجاز القرآن لمعرفتهم بمواقع الخطاب ، ( 211 )